آدابمدن فراتية

الكشكشة في اللهجة الديرية من فصيح اللغة العربية

لهجة دير الزور- الكشكشة

يبدل أهل الدّير كاف المؤنثة المخاطبة (ﭺ) شينا ثقيلة أو هو حرف بين الشين والجيم ولفظه كلفظ (ch) الإنجليزية في الكلمات التالية (chair وchain وchalk). فعامة الدّير وأهلها يقولون للمذكر (خُذ كِتَابَك) وللمؤنثة المخاطبة (خُذِي كتابـﭻ)، كما يقولون للمذكر المخاطب (عليك نفسك) أما المؤنثة المخاطبة فيقولون لها (عليـﭻ نفسـﭻ).

وفي عصرنا الحديث كتب بعضهم هذه الجيم وبداخلها ثلاث نقاط بدلاً من واحدة ويجري كلام العامة هكذا في كل كاف للمؤنثة المخاطبة يفعلون. أما كاف المخاطب للمذكر فلا يناله أي تبديل. وقد جاء في الأمثال الديرية قولهم:

(داري زَمَانِـجِ يا عثيرة) طالبين مراعاة الظروف وعدم التصرف بحماقة.

قد تؤدي للمكاره. (أمثال دير الزور – عبد القادر عياش).

ويرى علماء اللغة العربية أن الكشكشة ظاهرة معروفة عند القبائل العربية القديمة وأنها إبدال كاف المؤنثة المخاطبة شينا أو إلحاق شين بعد كاف المؤنثة المخاطبة سواء كان ذلك في الوقف أو الوصل معاً.

ومن العرب من يلفظها (الكاف) بين الجيم والشين أي كما يلفظها أهل الدّير والعامة في العراق وحوران وسكان الفرات عامة وأهل جزيرة العرب. وتنسب الكشكشة إلى ربيعة ومضر وحمير وأهل الشِّحرِ (سكان حضر موت) من قضاعة و مهرة وتنسب لتميم و هوازن وناس من بني أسد… وتنسب إلى بكر وتغلب من ربيعة أي أنها تنسب لكل العرب.

ومن شواهد الكشكشة ما جاء في العتابا قولهم:

يَهَلْ قَاعِد على الدّﭽـة قبَالِي، غَوِي ويْحِن دولابو جبالي، عَجَب خَدِّﭺ مِثِلْ وَرد الجبالي، عَذِي وما قَلَّبو غير الهوى.

(تلفظ قاف قبالي جيما. فتنطق: جبالي. الدﭽـة: الدكَّة. تلفظ قاف – قاعد – قلبه (قلبو) كما يلفظ المصريون الجيم). خدﭺ: خَدّكِ.

وفي مقطع آخر:

يَهَلأ مَرّيت بالعُودَه صَحَا لي عَلِيلْ ويُوم شِفناكم صحا لي
جِثير من النسا مِثلِـﭻ صَحَا لي وعِشرَة غِيركُم حارمه عليَّ

إبدال كاف المؤنثة المخاطبة في: (خدّج، مثلج) ﭻ لنطق (ch) في كلمة chain الإنجليزية وذلك في العتابا السابق وفي الغناء الشعبي الآتي بعضه:

يَم الثويب الأحمر معجبني طرزه ولونه

قلبي عليـﭻ لاهب نار قلبـﭻ عليَّ شْلُونُه

وأيضاً:

طولي وطولـﭻ قدرته وبمطرق الحديدي

كل ما تشوفـﭻ عيني يهموم قلبي تزيدي

ويفرد البغدادي في كتابه خزانة الأدب بحثاً خاصاً عن الكشكشة، وينسبها إلى ناس من تميم وأسد وينقل عن كتاب الكامل للمبرد قول المبرد: «بنو عمرو بن تميم إذا ذكرت كاف المؤنثة فوقعت عليها أبدلت منها شيناً لقرب الشين من الكاف في المخرج، فيقول للمرأة: (جعل الله البركة في دارش) والتي يدرجونها (يجعلونها) يدعونها كافاً».

ويستمر البغدادي في الحديث عن الكشكشة ذاكراً أمثلة لها على هذا النحو.

كما أننا لو رجعنا إلى كتاب سيبويه لوجدنا أن هذا الحرف (الذي يشبه في صوته ومخرجه صوت (ch) في الكلمات الإنجليزية (chair وcheap) ورمزنا له بـ (ﭺ) موجود في العربية لكنّه منطوق وليس بمكتوب. أي أنّ العرب نطقوا به ولم يجعلوا له رسماً يعرف به كرسم بقية الحروف، وهم إن أرادوا كتابته كتبوه كافا ونطقوه غير ذلك وأخرجوا صوته من مخرج بين الجيم والشين .

ويرى أن هذا الحرف (الكاف) يراد به كاف المؤنثة المخاطبة .فيخصص له بابا في كتابه (الكتاب) وضعه تحت مسمى (هذا باب الكاف التي هي علامة المضمر) قال فيه: “اعلم أنها في التأنيث مكسورة وفي المذكر مفتوحة، وذلك قولك” (رأيتُكِ للمرأة ورأيتُكَ للرجل).

ويبين سيبويه القبائل التي تنطق كاف المؤنثة على هذه الصورة فيقول:

“.. فأما ناس كثير من تميم وناس من أسد فإنهم يجعلون مكان الكاف للمؤنث الشين وذلك أنهم أرادوا البيان في الوقف لأنها ساكنة في الوقف فأرادوا أن يفصلوا بين المذكر والمؤنث وأرادوا التحقيق والتوكيد في الفصل لأنهم إذا فصلوا بين المذكر والمؤنث بحرف كان أقوى من أن يفصلوا بحركة . فأرادوا أن يفصلوا بين المذكر والمؤنث (بهذا الحرف، كما فصلوا بين المذكر والمؤنث) بالنون حين قالوا: “ذهبوا وذهبن. وأنتم وأنتن”، وجعلوا مكانها أقرب ما يشبهها من الحروف إليها، لأنها مهموسة، كما أن الكاف مهموسة، ولم يجعلوا مكانها مهموسا من الحلق لأنها ليست من حروف الحلق . وذلك قولك (أنش ذاهبة، وما لش ذاهبة) تريد “أنك ذاهبة، وما لكِ ذاهبة؟” (أليس هذا القول تسويغاً واستحساناً لحسن تخلص العرب من إمكانية التباس الأمر على السامع بين المذكر والمؤنث في الوقف؟). وقوم يلحقون الشين ليبينوا بها الكسرة في الوقف.

وأما صاحب كتاب الجمهرة – ابن دريد – فلم يحدد من تكلمّ بها من العرب لكنه قال: … هي لغة أقوام كما يراها ابن فارس وذكر بيتاً للمجنون يقول فيه:

فعيناﭺِ عيناها وجيدﭺِ جيدها      سوى عـَنَّ عظم الساق منجِ دقيق

ويورد فاضل غالب المطلبي في كتابه (لهجة تميم وأثرها في العربية الموحدة) قراءة للآية الرابعة والعشرين من سورة مريم قائلاً: وقرئ أيضاً: «قد جعل ربشِ تحتشِ سريا» ناقلاً ذلك عن كتاب الجامع لأحكام القرآن 1/45. وورد في الحديث: (إئذني له فإنه عمـﭻِ).

وجاء في كتاب (اللهجة العربية في التراث) ص361 لأحمد علم الدين الجندي، نقلاً عن الأشموني 4/282. و بها قرأ من قرأ (إن الله اصطفاﭺ وطهرﭺ) مريم آية 24 (إن الله اصطفاكِ وطهركِ). نقلها من كتاب لهجات العرب لأحمد تيمور المكتبة الثقافية 290 مخطوطاً.

وأضاف: «… ولتفسير هذه الظاهرة، نرى أن تميماً حرصت على إبراز الحركة الأخيرة». ولو أن أحداً طلب من أهل الدّير كتابة كلمات منتهية بكاف المؤنثة المخاطبة لكتبها الديري كافاً. ومن ثم لو طلب منه نطقها لنطقها كما تنطق (ch) في الإنجليزية أي أنّ هذا الحرف منطوق لا مكتوب كما يرى سيبويه وغيره.

إنّ الاستنتاج هنا هو أنّ اللغويين الأوائل يشيرون إلى كاف صوتها بين الشين والكاف. ولعل هذا يرجع إلى أنّه لم يكن لديهم تسجيل للأصوات أو أنهم احترزوا من كتابة الحروف التي قالوا عنها: “بين بين”، والتي تزيد عن التسعة والعشرين حرفا المكتوبة والمعروف لهم ولنا رسمها ولو أنهم أوجدوا رسوماً للحروف التي قالوا عنها بين بين) لهان الأمر، ولعرفنا الصوت الذي ينطق به كل حرف، ولميزنا الكشكشة من الشنشنة وغيرها من الظواهر اللغوية الأخرى. والشنشنة بما سمع من أصحاب اللهجة الناطقين بها من إبدال كل كاف لا يلتبس المعنى على السامع عند التلفظ بها.

فعلى سبيل المثال، ينطق أهل الدّير (كان = ﭽان) الجيم تنطق (ch). لكنهم عندما يصوغون المضارع منها يقولون: (يكون) وذلك دفعاً للالتباس.

أرى أن هذه ليست شيئاً يخرجها الناطق بها من مخرج الشين الأصلي، بل هي إخراج الشين من مخرج يقع بين الشين والجيم أو من المخرج الذي يخرجه منها أهل الدّير والعراق وحوران والموصل عند نطقهم بهذه الكاف وهي تشبه لفظ (ch) الإنجليزية أو (تش، ﭺ).

قسم خاص عن لهجة دير الزور في كتاب السيرة الذهبية “ديرالزور” عروس الفرات والجزيرة السورية

ص( 243-259).. داخل الكتاب مراجع البحث

السيرة الذهبية لدير الزور
كتاب السيرة الذهبية لدير الزور
تأليف: غسان الشيخ الخفاجي

 

الوسوم

الباحث المهندس: غسان الشيخ الخفاجي

الباحث غسان الشيخ الخفاجي : باحث : بالتراث الفراتي وحضارة وتراث دير الزور - من مواليد مدينة دير الزور 14\11\ 1955م . - يحمل اجازة في الهندسة الزراعية من جامعة حلب عام 1981م. - دبلوم الدراسة العليا في تربية النبات من المعهد الدولي "بزيمون بولي" - بلغراد عام 1989م. له عدة أبحاث تراثية تجاوزت / 400بحث/ تتناول حضارة وتراث وادي الفرات وخصوصا مدينة دير الزور. ، والكثير من الأبحاث التراثية المنوعة التي أغفلها السابقون وعمل على استدراكها . ●=أجريت معه عدة لقاءات ونشرت في الصحافة على (مستوى المحافظة والقطر). ● - أهم انجازاته العلمية : 1= أحد مربي ومنتجي صنف القطن دير الزور 22 ..الذي اعتمد بديلا عن الصنف حلب 40. 2=عضو مقرر في مؤتمرات القطن العلمية ومشارك فيها. 3=عضو في لجنة التربية والبحوث بمكتب القطن . 4=مشرف ومحاضر ومعد برامج التدريب والتأهيل للمهندسين الزراعين (ما يخص القطن ). 5=أوفد إلى تركيا عام 1996 م كخبير زراعي مع وفد خبراء وزارة الزراعة. ●●أهم كتبه ومخطوطاته : 1- مخطوط بعنوان (القطن وأهمية المكافحة المتكاملة).. 2- (إحياء البادية بعد كسرها).. 3- موسوعة نباتات الزينة والزهور والحدائق بدير الزور 4-زراعة القطن في وادي الفرات وجزيرته 5-تاثير عوامل البيئة والخدمة على انتاج القطن 6- المولية الفراتية 7- -عدسة قلم :مجموعة اشعار باللهجة الفراتية والفصحى ترصد العادات والتقاليد . 8- كتاب السيرة الذهبية "دير الزور" عروس الفرات والجزيرة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

error: Content is protected !!
إغلاق