“هل البامية دخيلة على دير الزور؟ اتركوا الكتب واسألوا الجدات!

إذا قال لك أحدهم إن البامية ليست تراثاً ديرياً لأن بذورها جاءت تاريخياً من قارة أخرى، فلا تدخل معه في جدال علمي معقد.. فقط قل له: اذهب الآن واسأل جدتك!
ستخبرك الجدة أنها تطبخ ‘البامية الديرية’ بنفس الطريقة منذ وعيت على الدنيا، وتقدم بصيغة الثرود. وأنها أخذت السر عن أمها (الجدة الكبرى). نحن هنا نتحدث عن 4 أجيال من التواتر البشري داخل بيوت الفرات.
النبتة قد تكون سافرت عبر العالم، لكن ‘النَفَس الديري’، والمرقة وتزرير البامية(إزالة جعبها)، وتكحيل الطبق بالسمن العربي والثوم، وتقديمه ثروداً على خبز التنور؛ هي خلطة سحرية صُنعت في دير الزور وحدها، وعُمّدت بذاكرة أجدادنا. الأصالة ليست أين ولدت البذرة، بل في أي أرض نبتت وصارت هويّة!”
اولركيزة الأولى في توثيق التراث الشعبي: “الرواية الشفوية المتواترة والتاريخ الحي”.
* المطبخ العربي والفراتي تاريخياً كان يعتمد على التواتر الشفهي (من الأم لابنتها ومن الجد للحفيد) ولم يكن يدوّن في كتب وصفات رسمية كما هو الحال في الغرب.
* لذلك، الاعتماد على الكتب وحدها في توثيق الأكلات الشعبية مجحف؛ لأن كبار السن هم “المكتبات الحية” التي تحفظ التفاصيل الدقيقة (النَفَس، طريقة التقليب، طقوس التقديم).
وعندما نقول اسألوا الجدات يُنهي سلطة“ “الغوغل المضلل: العامّة اليوم يبحثون في غوغل فيقرؤون: “موطن البامية الأصلي إفريقيا أو مصر القديمة”، فيظنونها دخيلة. لكن بسؤال الجدة، يتنبهون إلى أن “طريقة الطبخ والتوطين” هي التراث، وليس منشأ البذرة.
وعندما يشهد باحث مثلي بعمر السبعين عاماً(الباحث غسان الشيخ الخفاجي) بأنه وعى على والدته وجدته يطبخن البامية بنفس الطريقة والأصول، فنحن نتحدث عن خط زمني مرئي يتجاوز الـ 120 عاماً على أقل تقدير (عمري + عمر وعي والدتي+ جدتي).
* هذا القرن وزيادة من الزمان في جغرافية محددة (دير الزور) يمنح الطبق صفة “التراث المستقر والثابت” الذي لا يمكن لأي دخيل أو طارئ أن يزحزحه.
. “الأصول” هي الختم الثقافي:
*وعندما “تطبخها على أصولها” هنا مربط الفرس. هذه “الأصول” (مثل لحم الضأن والسمن العربي، الثوم، وعصير البندورة، والثرود بخبز التنور) هي القوانين غير المكتوبة التي تعارف عليها مجتمع الدير.
* التراث غير الأصيل لا يمتلك “أصولاً” صارمة متوارثة عبر 100 عام تقريبا؛ بل يتغير شكله ومذاقه كل عدة سنوات تماشياً مع الموضة أو التجارة .أما ثبات “الأصول الديرية” للبامية طوال هذه العقود فهو الدليل الأكبر على أصالتها.
وأنا من خلال ثقافتي البحثية مع شهادتي الحية(لهذا البحث) كابن للمكان وعاصر أجياله هو الحصن المنيع الذي يحمي تراث دير الزور الفراتي من التشويه أو التشكيك.
. مفهوم التراث (الأصيل وغير الأصيل): وبشكل عام:
* فالتراث الأصيل ينشأ طبيعياً ويعبر عن هوية المجتمع وتتناقله الأجيال. أما غير الأصيل فهو المصطنع أو المخترع فجأة لأهداف سياسية، أو أيديولوجية، أو تجارية سياحية بحتة (تسليع التراث)
“البامية الديرية” والخلط المعرفي لدى العامة:
البامية الديرية أصيلة جداً؛ لارتباطها زراعياً بالمنطقة (“البامية الجمالية” المثمنة في منطقة الجزيرة والفرات)، ولهندسة طهيها الفريدة. وغير المتخصص لا يفرق بين “المنشأ الأصلي للنبات” (بيولوجياً) وبين “المناطق التي تنجح زراعته فيها ويتم توطينه ثقافياً”، فيظن أن النبات دخيل.
* التوثيق: أأكد أن التوثيق لا يعتمد على الكتبب فحسب بل بالإضافة إلى التدوين عن الكبار والموروث الشفوي. (واستشهدتَ بنفسي بأني وعيت على والدتي وهي تطبخها على أصولها المتوارثة بنفس الاسلوب. فوعيت على البامية عندما كانت جدتي تطبخها على الجانون. ووالدتي عندما كانت تطبخها على طباخ الكاز, واليوم في بيتي نطبخها على البتوغاز وأحيانا على سخانة الليزرية. مع الحفاظ على الأصول.
* الخلاصة : الأدوات تتغير وتتطور تماشياً مع الزمن، لكن “الأصول والنكهة والهوية الثقافية” للطبق بقيت ثابتة ومتوارثة، وهذا هو جوهر التراث الحي.
…غسان الشيخ الخفاجي(مهندس زراعي وباحث تراثي)…



