المرأة الفراتية:

المرأة في ريف الفرات ( تاعوبة ) تزاحم الشمس في استيقاظها ومن النادر جدا أنها تظل نائمة حتى تتبين خيوط الشمس الصفراء من الشرق يشهد لها النهر العظيم يوميا حينما تغرف منه الماء لسقاية بقرتها وتقديم طعام الافطار لها ومن ثم شخب الحليب من ضرعها لتصنع منه السيالي ( حليب + سمن عربي +سكر+خبز صاج )لعائلتها فطورا
تجمع حطب القطن أو بقايا الشوك الذي احتطبنه من جوار البيت او الحقل لتملأ منه تنور الخبز الطيب الذي رائحته مختلفة زاكية وقد جهزت العجنة بيديها منذ الصباح الباكر وربما بساعديها تخرج الغنمات لتسرح في الحقل وتأكل من الأعشاب المجاورة للنهر العظيم .
وهاهي جهزت اولادها لباسا ونظافة وكتبا للذهاب الى المدرسة ! فهل من استراحة؟ لا
إنها تستعد لتجهيز طعام الغداء للعائلة ونظافة البيت واعادة ترتيبه وتنظيمه !
ربما يكون البيت خاليا من الرجل فهو مهاجر الى الخليج أو مسافر لمكان بعيد فهي تقوم بخدمة البيت كما لو أن الرجل موجود تقول لي احداهن من ناحية الصالحية على شاطي الفرات العظيم :
(لو غابوا وصوا ولو احضروا تقصوا )
والكثير من نساء الفرات توارثن الحكمة والسلوك الحسن والخلق العالي في التعامل مع الضيف واستقباله حينما يكون رب البيت غائبا . هلا –ياهلا حياكم الله من ممشاكم لملفاكم باديء الاستقبال فالتهليل والترحيب بالضيف فرض عليها في استقبال ضيوف البيت والا وصمت بالعار الابدي .
ومنذ الصغر في أيام خلت تعلم ابنها ركوب الخيل والسباحة وتجهز له خنجره لابسا محزمه راعيا لغنمه في اوقات الفراغ وتهمس في اذنه أن يذهب مساء للتعليلة في ديوان أعمامه ومظافة الشيخ ليتعلم مجالسة الرجال ولكسب الاحاديث والقصص والسوالف الطيبة منهم وكثير من نساء الفرات الكبيرات في السن تجد في ذاكرتهن الحكمة والطب والعلم والمعرفة والمثل والشعر أما (الهدي –فهي تضع ابنها الصغير أو حفيدها في (العبّارة -السرير المصنوع من الخشب ) وتناغيه بكلمات موزونة كالشعر وتقول له :
انتم تنامون وعيني تسحن الليمون وماادري تجون السنة لو بالرّها تشتون
انتم تنامون وعيني تسحن العجوة وماادري تجون السنة لو نقطع الرجوة
وبالحقيقة هي تهز (العبارة) للوليد لينام لكنها تناجي الغائب وهو زوجها الذي استلب منها لينظم الى الجيش العصملي الذي يحارب على حدوده الشمالية والشرقية في جنق قلعة وغيرها والكثير منهم ذهب ولم يعد .
ولديهن القصص الجميلة المشوقة والاحاديث السارة المعبرة والدالة على الحكمة فقد حكت لي عجوز من عشيرة القرعان قالت : (امتلكت احداهن نعجة و ربّت في بيتها فرخ ذئب فتسقيه من حليب النعجة مناصفة بينها وبين الذيب حتى كبر الذئب وذات يوم وعلى غفلة من العجوز الغائبة عن البيت جاع الذئب فأكل النعجة وحين عودتها رأته فقالت حكمتها :
أكلت شويهتي وفجعت قلبي فمن أنباك أن أباك ذيب
اذا كانت الطباع طباع سوء فلا لبن يفيد ولا حليب
أما النساء في مدن وادي الفرات فمعاناتها مختلفة فهي تحاول إرضاء أم الزوج قبل زوجها فهي تقوم مبكرة فتغسل وتنظف المطبخ وترتب غرفة الضيوف وتستعد لتجهيز طعام الافطار فهي تتعب وتتحمل أعباء الاسرة كاملة وتخلص في ذلك وتستمر في عملها ولا يجوز لها أن تشتكي قسوة العمل وتراكمها إلا لأمها أو أختها سرا خصوصا اذا كانت الحماة فاسية ولسانها طويل ولا يحق لها أن تخرج من البيت دون اذن الزوج أو أمه ولن تطالب بالعزل من البيت حتى يكبر الاولاد وأبسط الكلام من أم الزوج (ليش أخذناج موتاتخدمين البيت — شرايحلج ) .
ومنهن من تقوم بأعباء الاسرة الكبيرة وخدماتها فتكون قد سبقت الزمن بشطارتها وذكائها وقوة عزيمتها وربّت أكثر من عشرة أطفال تربية صالحة حسنة تعليما ووظيفة
فوصلت بذكائها الى ماتريد وسبقت للحضارة كثير من الناس فقد ركبت السيارة في وقت كان الامر عيبا عند الجهلاء ولم تبال بنقدهم الغيربناء والذي لا يمت للعقل او الفهم شيئا ومن هاتيك النسوة ام وائل هند الحنيش المرأة الحديدية التي عانت الكثير الكثير حتى وصلت بعائلتها الى هدفها المنشود .فهي موظفة لدى الدولة وربة منزل وفي خدمة المجتمع المحيط بها كونها ( قابلة قانونية في وقت عزت فيه القابلات وكن ندرة في المدينة ولم تشتك يوما من تعب او سهر في عملها الانساني)
المرأة الفراتية صبورة حتى اعترف الصبر لها وقال كلمته لم أجد بين نساء العالم
أجلد وأصبر من المرأة الفراتية فهنيئا لها ولخلقها السامي ولأصالته.
الباحث: جاسم الهويدي



